الشيخ محمد الكسنزاني الحسيني
220
موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان
ولا يكفر الحاج ولا يشرك ولا يذنب ، وإن أذنب فداخل بناء الكعبة ، ثم قدسية لمن لمس الحجر الأسود ، فنصل من ثيابه ، واتصل بالحقيقة الأبدية التي رمزت ومثلت ، وكان من بين رموزها الحجر الذي هو أساس عالم الذر ، وهو ذر أبيض ، أسوَّد بتحولة إلى محسوس مادي يُرى . والحاج طفل ، لأنه فقير عاجز محتاج إلى عون ربه الذي ما يزال يقلبه في شعائره حتى يشهده كشفاً على جبل عرفات فيعرفه ، فلا يرى كائن سواه ، فيكبر ويكبر . . . حتى ينحدر عن الجبل في صباح العيد ، وقد رأى ما لا يرى ، وإن رئي فلا يمكن التعبير عنه . وأول الحج : الإحرام الذي هو نسك لله ، وانقطاع إليه بالتجرد عن علائق الحياة الدنيا . وفي ترك المخيط : ترك التدبير لله الذي يفصل في الأمور بسابق علم وبلاحقه تدبيراً منه تعالى للأحداث . فدخولك تدخل ، وظاهراً ترى الأمر متروكاً إليك معتمداً عليك ، وباطناً الأمر له من قبل ومن بعد . فالكشف اقتضى ترك التدبير إيمانا بقوله تعالى على لسان العبد الصالح : ( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) « 1 » ، أي : أن كل فعل لكل عبد هو في حقيقته عن غير أمره بل عن أمر اللَّه . وهذه مرحلة من التوكل مصاحبة بيقين ذوقي دخلت في مناسك الحج كشفاً لفعل الحق . ويعد حلق الرأس : تتمة لترك المخيط ، إذ الشعور قوة ، وهو يرمز إلى فتوة الإنسان وشبابه ، وكلما غزر دل على نشاط الجسم ، فحلقه عودة إلى الضعف ، إذ بداية أمر الإنسان صلع أو شبه صلع ، وكذلك نهايته وبينهما قوة . فاللجوء إلى حلق الرأس كشف لحقيقة صاحب الفعل الحقيقي وصاحب الحول والطول في العبد . وفي ترك تقليم الأظافر : إشارة إلى العودة إلى الحياة الطبيعية التي كان فيها الإنسان أول مرة . وواضح أن التقليم عمل يدل على بدء وعي الإنسان لأمور حياته ، ومحاولة ممارسة إمكاناته التي وهبه اللَّه إياها لإصلاح ذات شأنه . . وهذه العودة ضرورية تذكرة للحاج إلى ما كان عليه من همجية وحيوانية ، ومبلغ فضل نعمة العقل عليه التي أخرجته من
--> ( 1 ) الكهف : 82 .